المقريزي

1074

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فخرج الأمراء بعد ما تلكّأوا في المسير حتى اشتهر الخبر ، فلم يجدوا أحدا من الناس حتى ولا غلمان الأمراء وحواشيهم . ووقع القول بذلك في القاهرة ، فغلّقت الأسواق جميعها ، وحلّ بالناس أمر لم يسمع بأشدّ منه ، وسار الأمراء فلم يجدوا في طول طريقهم أحدا إلى أن بلغوا باب النصر ، وقبض الوالي من باب اللوق وناحية بولاق وباب البحر كثيرا من الكلابزيّة والنواتيّة وأسقاط الناس . فاشتدّ الخوف ، وعدّى كثير من الناس إلى البرّ الغربي بالجيزة ، وخرج السّلطان من الميدان ، فلم يجد في طريقه إلى أن صعد قلعة الجبل / أحدا من العامّة . وعندما استقرّ بالقلعة ، سيّر إلى الوالي يستعجل حضوره ، فما غربت الشّمس حتى أحضر ممّن أمسك من العامّة نحو مائتي رجل . فعزل منهم طائفة أمر بشنقهم ، وجماعة رسم بتوسيطهم ، وجماعة رسم بقطع أيديهم . فصاحوا بأجمعهم : يا خوند ، ما يحلّ لك ، ما نحن الذين رجمنا . فبكى الأمير بكتمر السّاقي ، ومن حضر من الأمراء رحمة لهم ، وما زالوا بالسّلطان إلى أن قال للوالي : اعزل منهم جماعة ، وانصب الخشب من باب زويلة إلى تحت القلعة بسوق الخيل وعلّق هؤلاء بأيديهم . فلمّا أصبح يوم الأحد ، علّق الجميع من باب زويلة إلى سوق الخيل ، وكان فيهم من له بزّة وهيئة ، ومرّ الأمراء بهم ، فتوجّعوا لهم وبكوا عليهم . ولم يفتح أحد من أرباب الحوانيت بالقاهرة ومصر في هذا اليوم حانوتا ، وخرج كريم الدّين من داره يريد القلعة على العادة ، فلم يستطع المرور على المصلوبين ، وعدل عن طريق باب زويلة . وجلس السّلطان في الشّبّاك ، وقد أحضر بين يديه جماعة ممّن قبض عليهم الوالي ، فقطع أيدي وأرجل ثلاثة منهم ، والأمراء لا يقدرون على الكلام معه في أمرهم لشدّة حنقه . فتقدّم كريم الدّين ، وكشف رأسه ، وقبّل الأرض وهو يسأل العفو ، فقبل سؤاله وأمر بهم أن يعملوا في حفير الجيزة ، فأخرجوا وقد مات ممّن قطع أيديهم اثنان ، وأنزل المعلّقون من على الخشب . وعندما قام السّلطان من الشّبّاك ، وقع الصّوت بالحريق في جهة جامع ابن طولون ، وفي قلعة الجبل ، وفي بيت الأمير ركن الدّين الأحمدي بحارة بهاء الدّين ، وبالفندق خارج باب البحر من المقس ، وما فوقه من الرّبع . وفي صبيحة يوم هذا الحريق ، قبض على ثلاثة من النصارى وجد معهم فتائل النفط ، فأحضروا إلى السّلطان ، واعترفوا بأنّ الحريق كان منهم ، واستمرّ الحريق في الأماكن إلى يوم السبت .